السيد محمد الصدر

20

ما وراء الفقه

وهذا الدليل أوضح من الوجه الثالث منه في غيره ، حيث يحدس العقل : أن من لا يترك المخاصمة لو تركها الآخر هو المدعي ، والآخر المنكر . غير أن هذا الدليل غير واضح الانطباق على الوجهين الآخرين : الرابع والخامس . وإنما يحتاج تطبيقه إلى تعمل ، ومع التعمل يرتفع الحدس القطعي الذي أشرنا إليه . على أن انتساب هذا الإدراك ، حتى في الوجه الثالث إلى العقل محل تأمل . فقد يقال : إن هذا الحدس غير ناشئ من العقل بأصل وجوده المنطقي أو الفلسفي - لو صح التعبير - وإنما هو ناشئ من مناسبات نفسية واجتماعية . ولا يمت إلى العقل بصلة . ويكفي لذلك أن نلتفت : أن المدعي إنما لا يترك القضية والمرافعة ويصر عليها إذا كان مصرا على الحصول على الحكم لصالحه . وإنما يكون كذلك إذا كان طامعا في مال أو امرأة أو دفع ضرر ونحو ذلك . وأما إذا كان له درجة من الزهد في الدنيا والإعراض عنها ، فإنه لا يهتم بالاستمرار بالقضية . ويرتفع ذلك الجانب النفسي الذي انبثق منه ذلك الوجه . الأمر الذي يدلنا على أنه ليس عقليا بل نفسيا . فاليقين إنما هو متعلق بأن أحد الشخصين المتخاصمين يترك القضية لو تركها صاحبه . وأما أن صاحبه سوف يصر عليها بدوره ولا يستغني عنها ، فلا دليل عليه . على أن هذا اليقين أيضا قد يرتفع حين نأتي إلى الوجوه التي ذكروها للفرق بين تلك التعاريف وأن هناك من الموارد لا يكون فيها المنكر تاركا للقضية وإن تركها المدعي . كما سيأتي . الدليل الثالث : الدليل العرفي . وأن هذا الوجه الذي يراد الاستدلال عليه موافق للفهم العرفي ، وأن العرف يفهم المدعي والمنكر طبقا له . إلا أنه يمكن الإيراد على هذا الدليل من وجهين